وليد فكرى يكتب: عندما أحضر نابليون بونابرت حلاوة المولد للمصريين!

السبت، 07 سبتمبر 2024 04:47 م
وليد فكرى يكتب: عندما أحضر نابليون بونابرت حلاوة المولد للمصريين! وليد فكرى

مشاركة

اضف تعليقاً واقرأ تعليقات القراء

منذ أيام خرج علينا أحد الدعاة المشهورين للاتجاه السلفى بڤيديو يتحفنا فيه بمعلوماته التاريخية، حيث ادعى أن نابليون بونابرت هو الذى صنع حلاوة المولد النبوى الشريف للمصريين، وأقام احتفالًا بهذه المناسبة «رقص فيه» ثم بعدها بفترة قام بضرب جامع الأزهر الشريف بالمدافع وأرسل جنوده لاقتحامه وتدنيسه.

وإن كانت كل من واقعة احتفال بونابرت بالمولد النبوى الشريف وواقعة اعتدائه على القاهرة والأزهر لإخماد ثورة القاهرة الأولى مثبتتين فى كتب التاريخ، إلا أننى لا أعرف من أين أتى صاحب الڤيديو بمعلومة إحضار نابليون حلاوة المولد للمصريين.

فقصة حلاوة المولد أقدم بكثير مما يدعيه فى تسجيله المرئى العجيب..

سنة 918م نقل الفاطميون دولتهم إلى مصر، وأصبحت العاصمة القاهرة حاضرة الخلافة الفاطمية فى مصر والشام وشمال أفريقيا.. لم يحضر الفاطميون نظامهم السياسى فحسب، بل أدخلوا إلى مصر رسومهم وبروتوكولاتهم فى الاحتفال بالمناسبات الدينية وعلى رأسها المولد النبوى الشريف.

ينقل لنا مؤرخو العصر الفاطمى بدقة مراسم الخلافة الفاطمية فى الاحتفال، كأننا نراها رأى العين، على النحو الآتى: كان الاحتفال يبدأ من أواخر شهر صفر وأوائل شهر ربيع الأول، ثم فى اليوم الثانى عشر من ربيع الأول - يوم مولد النبى محمد عليه الصلاة والسلام-كانت «دار الفطرة»- وهى المؤسسة المسؤولة عن صناعة الحلويات للمناسبات الدينية- تقوم بإخراج 300 صينية من الأشكال المتنوعة للحلوى، ومنها ما هو على هيئة الحيوانات، يتم توزيعها بترتيب دقيق معروف: فأول متلق للحلوى كان قاضى القضاة، يليه داعى الدعاة- وهو كبير دعاة المذهب الفاطمى الشيعى الإسماعيلى-ثم قراء القرآن الكريم وأئمة المساجد الكبرى وكذلك القائمون على المشاهد والأضرحة.

بعد ذلك كان الجمع يؤدون صلاة الظهر، ثم يتوجهون للجامع الأزهر لقراءة وختم القرآن الكريم.. ثم يقود قاضى القضاة المحتفلين متوجهين إلى قصر الخليفة الذى يطل عليهم من شرفة القصر فيحييهم، ثم يقوم الخطباء فيلقون خطبًا للثناء على رسول الله وآل بيته، ويدعون للخليفة بالسداد والرشاد، وأخيرًا ينتهى الاحتفال وينفض الجمع.

كان اعتناء الفاطميين بالاحتفال بهذه المناسبة أمرًا بديهيًا، ليس فقط لأنهم ينتسبون للرسول من ابنته السيدة فاطمة الزهراء، وإنما أيضًا لإدراكهم تعلق المصريين الحميمى بالرسول الكريم وآل بيته كأنهم من بعض أهلهم وليس لمجرد مكانتهم الدينية.

كذلك أدرك الفاطميون ولع المصريين بالتعبير عن أفراحهم بطرق «مادية» كارتباط المناسبات الهامة ببعض الأطعمة، وتفنن المصريون فى صناعة تلك الأطعمة والتنافس فى ابتكارها والتهادى بها.. بل  التصدق بها على من لا يمتلكون القدرة على صناعتها أو شرائها باعتبار أن الإنفاق مما يحبون هو من أوجه البِر.

فكان ابتكار الفاطميين حلاوة المولد بمثابة تقرب منهم للمصريين وتبنى لعاداتهم، وكعادة المصريين فى استيعاب المؤثرات وإعادة إنتاجها، طوروا من تلك العادة عبر الزمن، فجاروا الفاطميين فى عادة صناعة الحلوى فى ذكرى المولد النبوى الشريف.. وأضافوا لها كلا من «عروسة المولد» و«الحصان».

ولعروسة المولد قصتان لا تخلوان من طرافة، الأولى تنسب للخليفة الفاطمى غريب الأطوار الحاكم بأمر الله أمره ألا يعقد قرانًا طوال العام إلا فى يوم المولد النبوى الشريف، فارتبط ذلك اليوم عند المصريين باحتفالات الزواج، واعتادوا صنع عروس من الحلوى وتزيينها كالعروس فى ليلة عرسها.

أما القصة الثانية فتقول إن الحاكم بأمر الله خرج يومًا للتنزه مع زوجته الجميلة التى كانت ترتدى ثوبًا فخمًا وتتوج رأسها بتاج من الورود، فأعجب المصريون بها وصنعوا عروسة المولد على هيئتها. وأصبحت من عادات بعض أهل ريف مصر بعد ذلك أن يحضر الشاب لخطيبته فى فترة الخطبة عروسة المولد فى يوم ذكرى المولد النبوى الشريف، فتحتفظ الخطيبة بالعروسة أو العرائس حتى يوم زفافها، وفى زفة عرسها ترافقها عرائس الحلوى، اعتقادًا أنهن يجذبن العين الحاسدة بعيدًا عن العروس.

أما «الحصان»- وهو على هيئة فارس يمتطى فرسه مشهرًا سيفه-فقد اختُلِفَ فى أصله كذلك، بين من قالوا بأنه يرمز للخليفة الفاطمى ومن قالوا أن «الفارس» رمز للإمام على بن أبى طالب المعروف بـ«فارس الإسلام»، وبشكل عام فإن كانت «العروسة» ترمز للمرأة فإن «الحصان» بفارسه يرمزان لقيم الفروسية والفتوة التى طالما احترمها المصريون.

وقد أحب المصريون الحلوى المتخذة أشكالًا مختلفة -غالبًا حيوانية-حتى أن شيخ المؤرخين تقى الدين المقريزى- من العصر المملوكى- قد ذكر أن من أهم سلع الأسواق المصرية «العلاليق» وهى حلويات ذات أشكال متنوعة تسمى كذلك لأنها كانت تعلق بخيوط فى واجهات المحال والدكاكين.

هذه هى قصة ابتكار وتطور حلاوة المولد، والتى تسبق حملة نابليون بونابرت بقرون.. فما علاقة بونابرت إذن بالمولد النبوى الشريف واحتفاله؟
عندما احتل نابليون مصر فى العام 1798م كان المصريون بالفعل يعيشون حالة من النكد والفقر تحت الاحتلال العثمانى وطغيان بكوات المماليك، حتى أن اعتناءهم بالاحتفال بالمولد النبوى الشريف قد تراجع عن العصور السابقة اللهم إلا ما كان الشيخ البكرى الذى كان من كبار علماء الأزهر الشريف ينظمه من احتفالات فى منطقة الأزبكية التى كانت أرقى أحياء القاهرة آنذاك.

فلما زاد تكدر المصريين بوقوعهم تحت احتلال «الفرنسيس» ظهر إحجامهم عن إقامة أية احتفالات فى أول ذكرى للمولد النبوى تحل تحت الاحتلال، وكان هذا على غير هوى نابليون الذى كان جزء كبير من دعايته لإقناع المصريين بقبول احتلاله وطنهم يعتمد على مداعبة مشاعرهم الدينية بادعائه الإيمان بالإسلام ورسوله واحترامه معتقدات المسلمين وعادات المصريين.. فأمر بإقامة احتفال كبير بهذه المناسبة وأقام استعراضات فرق الموسيقى العسكرية وقام بإطلاق الألعاب النارية، بل وقام الفنان ألكساندر كولين بتخليد تلك الواقعة فى لوحة تصور بونابرت يطل على مواكب الاحتفالات من شرفة وبرفقته أعيان القاهرة.

السؤال الآن: ما علاقة واقعة احتفال بونابرت بالمولد النبوى الشريف ثم واقعة قصفه واقتحامه الأزهر بموقف ذلك السلفى صاحب الڤيديو المذكور من ارتباط الحلوى بالمولد؟ ما علاقة هذه الواقعة بتلك؟ إن بونابرت قد تصرف كأى محتل فحاول أولًا اللجوء للمداهنة ثم كشف عن وجهه الحقيقى فارتكب جريمة بشعة.. ما الجديد؟ أى قارئ لتاريخ عتاة الغزاة سيجد نماذج مشابهة.. ولكنه التخابث باستحضار واقعة إجرامية صادمة للمشاعر كاقتحام الأزهر وقرنها بأمر يحاول هذا الشخص وأشباهه محاربته.. فى محاولة للتلاعب النفسى بالمتلقى بسيط الثقافة والتفكير.

وأما عن ذكره ما قد يقع فى الاحتفالات الشعبية من أمور غير لائقة، فلطالما تحدث المؤرخون فى العصران والعثمانى عن اقتران المناسبات سواء دينية أو غير دينية بقيام من يصفهم المؤرخين بـ«السوقة والدهماء» بأمور من وجوه العربدة والمخالفات السلوكية «حتى جاوز ذلك الحد» على حسب قولهم.. بل وما زالت بعض المناسبات الدينية مثل وقفات الأعياد تشهد قيام البعض بأمور مخزية كتعاطى المخدرات أو الكحوليات.. فهل الحل هنا هو إلغاء الاحتفال برمته على طريقة أهل تيار ذلك الرجل فى انتهاج تحريم أى شىء وارد أن يساء توظيفه؟ أليس الأقرب للعقل والمنطق هو مكافحة غير اللائق على الممارسات مع الحفاظ على الاحتفال بالطرق التى لا بأس بها؟

ثم أنه بعد ذلك يتحدث عن أن الاحتفال بذكرى الرسول الكريم إنما يكون بإحياء سنته.. سبحان الله! وهل إحياء السنن ينتظر مناسبة سنوية يا «شيخ»؟ .
إن محتوى التسجيل المرئى الذى قام به إنما يعكس حالة الانغلاق الفكرى وضيق الأفق لأهل توجهه الذين لا يستوعبون تنوع طرق البشر فى التعبير عن مشاعرهم.. وثمة قصة تذكرتها عن الصحابى الجليل جعفر بن أبى طالب، حين عاد من مهجره فى الحبشة وقضى له الرسول بحضانة ابنة عمه حمزة بن عبد المطلب، فأظهر الفرح بأن قام فحجل-أى تقافز على ساق واحدة-حول الرسول، فلما سأله الرسول عن ذلك أجابه بأن النجاشى كان إن رضى عن رجل أقامه فحجل حوله.

فهل نهره الرسول أو نهاه عن طريقته فى التعبير عن فرحه؟ كلا.. لأنه صلى الله عليه وسلم كان متسع الأفق لاستيعاب تنوع طرقنا فى التعبير عن الفرح.
وهى سعة أفق أنصح هؤلاء القوم أن يتعلموها من النبى الكريم قبل أن ينصبوا من أنفسهم مدافعين مزعومين عن سنته!
كل ذكرى طيبة للمولد النبوى الشريف ونحن جميعًا بخير وسعادة.. ولو كره المتنطعون!










مشاركة

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق

تم أضافة تعليقك سوف يظهر بعد المراجعة





الرجوع الى أعلى الصفحة