اتفاق البرنامج النووى الإيرانى أولى خطوات فك الارتباط الأمريكى بالشرق الأوسط.. الولايات المتحدة ترفع يديها عن المنطقة وتركها رهينة الصراعات المذهبية.. واشنطن ضمنت أمن إسرائيل وتوفير بدائل لنفط الخليج

الإثنين، 06 أبريل 2015 04:42 م
اتفاق البرنامج النووى الإيرانى أولى خطوات فك الارتباط الأمريكى بالشرق الأوسط.. الولايات المتحدة ترفع يديها عن المنطقة وتركها رهينة الصراعات المذهبية.. واشنطن ضمنت أمن إسرائيل وتوفير بدائل لنفط الخليج البرنامج النووى الإيرانى
تحليل يكتبه يوسف أيوب

مشاركة

اضف تعليقاً واقرأ تعليقات القراء
لا يمكن فصل الاتفاق الإطارى الخاص ببرنامج إيران النووى عن الفكرة التى جاء بها باراك أوباما إلى البيت الأبيض أو ما يمكن وصفه بـ"الحلم"، والقائم على التحالف مع إيران وإعادة بناء هندسة المنطقة وتغيير المعادلة فى الشرق الأوسط، لتحقيق الهدف الأكبر للسياسة الأمريكية والذى يتمثل فى فك ارتباط واشنطن بالمنطقة المليئة بالحروب، وأن تركز على التهديد القادم إليها من منطقة الشرق الآسيوى، خاصة أن الصين بدأت تهيمن بشكل قوى على الاقتصاد العالمى، ويكون لها كلمة مسموعة فى السياسة الدولية، وتقوم الاستراتيجية الأمريكية على توفير المليارات التى تنفقها على الحروب فى الشرق الأوسط، على أن تتحمل دول المنطقة هذه التكلفة.

ربما يكون السؤال الآن كيف تنهى واشنطن ارتباطها بالمنطقة دون أن توفر أرضية آمنة لحليفتها الاستراتيجية إسرائيل؟، وهل ستستغنى واشنطن عن براميل البترول فى الشرق الأوسط؟..

إسرائيل بدأت تتحول تدريجيًا من عدو إلى ما يشبه الحليف


فيما يتعلق بإسرائيل فعمليًا تغيرت وضعيتها الآن عما كانت عليه فى الماضى، فإسرائيل بدأت تتحول تدريجيًا من عدو إلى ما يشبه الحليف لدى كثير من دول المنطقة، حتى الدول التى مازالت تنظر لتل أبيب بعين الريبة فإن هذه النظرة لم تعد تعنى العداء، بعدما ظهرت قوائم جديدة من الأعداء مثل التنظيمات الإرهابية، فضلاً عن اهتمام الدول العربية تحديدًا بالصراع المذهبى السنى الشيعى، والصراعات داخل كل دولة بعد ثورات الربيع العربى، مما منح تل أبيب وضعًا جديدًا تنظر من خلاله للشرق الأوسط من موقع المتابع وليس الغارق فى أزمات الشرق الأوسط، فكل دول المنطقة الآن بعدما كانت تعتبر إسرائيل العدو الأول، أصبحت إما منشغلة بحروبها ضد الإرهاب، أو بمواجهة الصراعات الدينية المذهبية، أو بالتصدى لمخططات جيرانها الراغبين فى السيطرة والعبث بأمن كل دولة.

وارتباطًا بإسرائيل أيضًا، فإن تصريحات رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو التى قال فيها "تطالب إسرائيل بأن يتضمن أى اتفاق نهائى مع إيران التزاما إيرانيا واضحا لا لبس فيه بحق إسرائيل فى الوجود"، يؤكد فرضية الانسحاب التدريجى الأمريكى من المنطقة، خاصة أن كل المؤشرات تذهب إلى أن الاتفاق أو التوافق مع إيران سيكون إحدى ركائزه حماية أمن إسرائيل، وهو ما أشار إليه نائب المتحدث باسم البيت الأبيض إيريك شولتز حينما قال الجمعة الماضية "إن واشنطن لن توقع اتفاقا بشأن برنامج إيران النووى يمثل تهديدا لإسرائيل".

وإذا ربطنا هذه التصريحات بتصرف رئيس إيران حسن روحانى قبل عدة أشهر حينما هنأ للمرة الأولى "كل اليهود" فى العالم بعيد رأس السنة اليهودية، متمنيا لهم عاما يهوديا سعيدا، فإن الواقع يشير إلى أن إسرائيل هى جزء مهم من الاتفاق أو التوافق المستقبلى بين إيران والولايات المتحدة.

إذن فوضع إسرائيل الأن أصبح آمنًا عما ذى قبل، وهو ما يسمح لواشنطن بإعادة تقييم أسباب تواجدها أو استمرار تورطها فى المنطقة.

الولايات المتحدة الأمريكية أصبحت الآن أكبر منتج للبترول فى العالم


أما فيما يتعلق بمسألة البترول، فالموضوع ليس وليد اليوم، بل إن هناك تصورًا أمريكيًا وضعه استراتيجيون بعد أزمة قطع الإمدادات البترولية أثناء حرب 1973 يقوم على إيجاد البدائل، وبالفعل ظهرت البدائل فالولايات المتحدة الأمريكية أصبحت الآن أكبر منتج للبترول فى العالم، بل إنها تعمل على اشتقاق أنواع جديدة من البترول تؤمن لها كميات تكفيها لأكثر من 500 عام، لذلك فإن الولايات المتحدة تستعد للاستغناء عن استيراد البترول الخليجى، ولا ننسى أن جورج بوش الابن سبق وهدد دول الشرق الأوسط بالاستغناء عن نفطها، وفهم البعض هذا التحول للولايات المتحدة من دولة مستوردة للنفط إلى دولة مصدرة له سيتبعه تغيير جذرى فى السياسة الأمريكية فى منطقة الشرق الأوسط، وأسهم ذلك فى تعميق مخاوف بالسعودية من أن واشنطن ترفع أيديها تدريجيا من الشرق الأوسط مع تقلص وارداتها النفطية من المنطقة ولم يعد يعول عليها فى مساندة حلفائها القدامى ومراقبة أنشطة الخصوم المشتركين.

إذن نحن أمام وضع جديد أو تغيير للمعادلة يكون بترتيب الأوضاع بحيث تتمكن واشنطن من فك ارتباطها بالمنطقة، ويكون ذلك بداية بإنهاء خلافاتها مع دول المنطقة، مثلما فعلت مع كوبا، مع استبدال قاعدة الحلفاء، ويؤكد ذلك ما قاله روبرت فيسك فى مقاله بصحيفة الإندبندنت البريطانية السبت الماضى حينما تسأل هل يمكن أن تصبح إيران القوية شرطى الولايات المتحدة فى الخليج؟، مشيرًا إلى أن إيران ستبرز كقوة فى الشرق الأوسط بموافقتها على الحد من طموحها النووى، وعلى الرغم من أن الحرس الثورى الإيرانى قد يحاول عرقلة الاتفاق، أو أن تقوم إسرائيل بمهاجمة المنشآت النووية الإيرانية، إلا أن الاتفاق المبدئى الذى عقدته إيران يمكن أن يجعلها قوة عظمى فى المنطقة كما كانت أيام الشاه.

الصداقة الناشئة بين واشنطن وطهران تغضب السعوديين


فيسك أشار أيضًا إلى الصداقة الناشئة بين واشنطن وطهران هى التى تغضب السعوديين الذين يخشون أن تهدد الأوضاع الجديدة تحالفهم المتميز مع واشنطن، لكنه يؤكد أنه إذا التزمت إيران بتعهداتها يمكن أن يتبدل انعدام الثقة بينها وبين الولايات المتحدة، وسيكون هذا تحولا سياسيا هائلا فى الشرق الأوسط، فيمكن لإيران أن تصبح- مع مرور الوقت- شرطى الولايات المتحدة فى الخليج كما كانت تحت حكم الشاه، ويصف الكاتب البريطانى هذا التحول بالزلزال فى الشرق الأوسط.

بالنظر إلى التاريخ فمنذ قطع العلاقات الدبلوماسية بين واشنطن وطهران فى أبريل 1980 فى أعقاب الثورة الإسلامية وعملية احتجاز الرهائن فى السفارة الأمريكية التى استمرت 444 يومًا من نوفمبر 1979 إلى يناير 1981، فإن البلدين ينظران لبعضهما البعض على أنهما شيطان، أو محور الشر، لكن اليوم أصبحا فى حكم الأصدقاء، بعد عملية تقارب على ضوء المفاوضات بينهما حول الملف النووى.

وبالعودة إلى تصريحات أوباما حول إيران منذ أن كان مرشحًا للانتخابات الرئاسية سنجد أن ما وصلت إليه العلاقة الآن بين البلدين هو شئ متوقع، فأوباما فى بداية حملته الرئاسية الأولى وتحديدًا فى شهر يوليو 2007 وسعيا منه لاستمالة الناخبين الكارهين لسياسة سلفه جورج بوش، قال أوباما إنه مستعد لبدء حوار مباشر مع إيران وفنزويلا وكوبا وكوريا الشمالية على الرغم من الخلافات العميقة مع هذه الدول، وقال إن "فكرة أن امتناعنا عن التحدث إلى بعض الدول عقوبة تثير الضحك".

أوباما مهد للحوار مع إيران منذ سنوات


بعد ذلك بعامين، قال أوباما خلال تسلمه جائزة نوبل للسلام فى 10 ديسمبر 2009 فى أوسلو، إن "العقوبات بدون يد ممدودة والإدانات بلا مناقشات" مصيرها الفشل، وهو ما أعطى مؤشرًا على تغير فى نهج البيت الأبيض.. نهج يعتمد على التغيير المرتبط بفكرة أو هدف استراتيجى وهو تغيير المعادلة بالكامل فى الشرق الأوسط، لذلك كانت الخطوة الأولى ببدء المحادثات السرية فى 2011 بين البلدين قبل أن ينخرط وزيرا خارجية الولايات المتحدة وإيران فى محادثات علنية وبشكل شبه متواصل منذ سبتمبر 2013 وحتى الإعلان عن اتفاق لوزان، وينظر كثيرون إلى أن الحوار الذى دار على مدار الشهور الماضية لم ينته فقط إلى الاتفاق الإطارى، بل إنه خلق صداقة أو تقاربًا شخصيًا بين جون كيرى ونظيره الإيرانى محمد جواد ظريف.

التوجه سواء كان من جانب إيران أو الولايات المتحدة كان يسير نحو إتمام التقارب، رغم المخاوف الخليجية من ذلك، لكن كان هناك إصرار أمريكى على السير فى هذا الاتجاه.

العاهل السعودى الراحل حث واشنطن على "قطع رأس الأفعى"


المخاوف الخليجية ظهرت بشكل قوى حينما حث العاهل السعودى الراحل الملك عبد الله واشنطن على "قطع رأس الأفعى" بمهاجمة البرنامج النووى الإيرانى، بعدما بدأت واشنطن لقاءاتها السرية قبل عامين مع الإيرانيين، ورغم أن اللهجة السعودية هدأت الآن وفقًا لما نقل عن العاهل السعودى الملك سلمان بن عبد العزيز فى اتصال هاتفى مع الرئيس الأمريكى باراك أوباما الخميس الماضى، حيث أعرب الملك سلمان عن أمله فى أن تعزز تسوية نهائية للنزاع النووى من استقرار وأمن المنطقة والعالم، إلا أن الأمر لا يخلو من كونها مجاملات سياسية.

لذلك فإن التغير الذى حدث فى اللهجة السعودية ربما يعود فى الأساس إلى قراءاتهم للتغير الذى طرأ على السياسة الأمريكية، لأن المتابع لردود الفعل السعودية فضلاً عن قياداتها لتحالف عسكرى ضد سيطرة الحوثيين على الدولة اليمنية سيتأكد أن القلق مازال يساور السعوديين، خاصة أنهم مازالوا ينظرون لإيران على أنها أخطر خصومها.

الرياض شعرت بأنها محاصرة بالنفوذ الإيرانى المتنامى فى دول عربية


لماذا إيران أخطر خصوم السعودية؟.. الإجابة لأن الرياض شعرت بأنها محاصرة بالنفوذ الإيرانى المتنامى فى دول عربية منذ الغزو الأمريكى للعراق فى 2003، فى العراق ولبنان وسوريا واليوم فى اليمن، كما أن الرياض تعتبر إمكانية حصول إيران على سلاح نووى الخطر الأكبر، بالإضافة إلى أن تنفيذ الاتفاق ورفع العقوبات عن إيران سيمكنها أو سيفتح الباب أمامها لتسليح وتمويل أتباعها فى الدول العربية بشكل أوسع.

القلق من هذه النقطة لا يقتصر فقط على السعودية، وإنما هو قلق يساور غالبية الدول العربية، ومن بينها دول الخليج باستثناء سلطنة عمان، كما أن مصر والسودان لديهم ذات المخاوف، أو بمعنى أدق منزعجين من حملة طهران لتوسيع نفوذها وتقوية قبضتها من خلال قوى وميليشيات متحالفة معها من العراق إلى لبنان ومن سوريا إلى اليمن، فضلاً عن رصد ظهور حركات تشيع فى بعض الدول، وهو ما دفع الخرطوم لإغلاق كافة مكاتب الممثليات والجمعيات الإيرانية بالبلاد، بعدما سبق وأغلقت المكاتب الثقافية الإيرانية وطلبت من مدير المكتب الثقافى الإيرانى بالبلاد مغادرة العاصمة السودانية.

لذلك فإن المخاوف العربية من اتفاق لوزان تتركز فى مجملها على إمكانية حدوث تقارب أمريكى إيرانى يقوى طهران ويشجعها على تعزيز نفوذها بالمنطقة، لذلك فإن غالبية تعليقات العرب على الاتفاق كلها سارت فى اتجاه واحد وهى أنها تأمل فى أن يكون للاتفاق تأثير على إيران يؤدى إلى تغير نوعى فى سياستها الخارجية يدفعها لعدم التدخل فى الشأن الداخلى لدول المنطقة.

عملية التقارب الأمريكى الإيرانى ليست ببعيدة عن فكرة أمريكية


هذه هى قراءة لبعض ما يحدث من حولنا، خاصة أن عملية التقارب الأمريكى الإيرانى ليست ببعيدة عن فكرة أمريكية تناقش فى المراكز البحثية منذ عدة سنوات بأن تترك واشنطن المنطقة لأبنائها بعدما فقدت مزاياها، وأن تكون الولايات المتحدة فى موقع المحرك للأحداث وليس المشارك فيها، وهو ما كشفته التحركات الأخيرة ضد الحوثيين فى اليمن، حيث دعمت واشنطن عملية "عاصفة الحزم" سياسيًا فقط، واستخدمتها كورقة فى تفاوضها مع إيران، كما أن واشنطن بدأت تدريجيًا التغاضى عن مطلبها بإزاحة نظام بشار الأسد عن حكم سوريا، وتغيرات أخرى تحدث حولنا.

هذه التغيرات تدفعنا إلى ضرورة فهم ما يحدث لتحديد موضع قدم لنا وسط هذه الانقلابات فى سياسة الإقليم.


موضوعات متعلقة..


-صحيفة: اتفاق إيران نموذج لمنع ظهور جيل جديد من قوى التسلح النووى












مشاركة



الرجوع الى أعلى الصفحة